حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

231

التمييز

على القدر الحقير ، وأن يعرض عمّا يزيد على ذلك وهي سنّة الأنبياء الذين كشف اللّه عن بصائر قلوبهم فنظروا إلى باطن الدّنيا حين نظر النّاس إلى ظاهرها ، وإلى اجل الدّنيا حين نظر النّاس إلى عاجلها ، سكنت قلوبهم بموعود اللّه وهم أعرف بما يرضي من له الامر . وقال أبو النصر الفارابي : العفيف إنّما يترك اللّذات المحسوسة ليعتاض مكان ما ترك لذّة أخرى من جنس ما ترك أعظم ممّا ترك فيكون شرهه وحرصه على توفير اللّذة يحمله على ترك ما ترك ، وينبغي أن يكون رأيه إنّما تركها ليصير إلى مثلها وزيادة ربح يربحه وأنه يتركها حرصا على الربح والعوض مما يتركه بشيء زائد زيادة / 105 ب / عظيمة على ما تركه . وهذا سرّ ذكر الجنّة في كتاب اللّه الكريم واخباره عباده عنها ووصفها لهم بما تدركه عقولهم ، ووعدهم بها ليسهل على النّفوس التخلي عن جميع اللّذات المحسوسة في عالم الفناء ، فعلم أن أحدا لا يترك شيئا نفيسا إلّا إذا رأى أنفس منه [ لا يرسل الساق إلّا ممسكا ساقا ] « 1 » . والحق تعالى محطّ رحال الخلق أجمعين وهم في القرب منه على قدر امتثالهم الأوامر كثرة وقلّة ، وكثرة محبّتهم له وإقبالهم عليه وأوّل شروع العبد في درجات القرب زهده في الدّنيا ، فإذا زهد فيها تخلّص من محبّة غير اللّه ولم يبق في قلبه محبّة لغير من أمره اللّه لمحبّته من الأنبياء والأولياء وصالح المؤمنين . وليس من صفات أحدهم محبّة الدّنيا بإجماع أهل الملل كلّها ، وعلم أنّ من لم يزهد في الدّنيا لم يصحّ له شروع في درجات القرب ولا قدر ذرّة . ويقال : إذا بقي ما قاتك فلا تأس على ما فاتك ، من أعجب العجب عاقل يأسف . وقال حكيم : أعبد النّاس للدّنيا أحوجهم إليها . فإذا كانت الحاجة تستعبد للمحتاج إليها بقدر حاجته إلى من إليه أحتاج ، فعدم الاحتياج أفضل منهاج . وقال علي كرم اللّه وجهه : التقلّل ولا التوسل ، استغن عمّن شئت فأنت

--> ( 1 ) زيادة من احمدية وأسعد أفندي وفصول منتزعة للفارابي ، ص 83 .